البحر الذي صار حقلا
تتلاطم الأمواج المالحة لتغرق سواحل العالم باليأس والملوحة وتتبدد معها فكرة الزراعة التقليدية تمامًا. على تلك الشواطئ الممتدة حيث تموت البذور العادية بمجرد ملامسة قطرة ماء بحريِّ كان الصياد الأميركيِّ برين سميث يقف على متن قارب الصيد الخاصِّ به متأمِّلًا انهيار مصائد الأسماك وتراجع دخل عائلته كليًّا. وفي بقعة أخرى حيث تنساب المياه العذبة في دلتا النيل بمصر واجه المهندس محمد حمدي أبو آدم تحديًّا من نوع آخر يتمثل في ندرة الأعلاف وغلاء أسعارها وتلوُّث المجاري المائية مما أدى إلى تراجع إنتاج مزرعة الدواجن العائلية وتراكم الديون الثقيلة. كانت المياه تمثِّل عائقًا مالحًا أو مساحة مهدورة للتبخر حصرًا. لكن الفكر الرياديِّ المرتكز على أبحاث الطبيعة غير المعادلة كليًّا. ابتكر برين نموذج المزرعة المائية ثلاثية الأبعاد لإنتاج الطحالب والمحار لتتحول مزرعته "جرين جرافيل" إلى ثورة بحرية عالمية ونجح أبو آدم في تطويع المياه العذبة لإنتاج نبات الأزولا الذي يمثِّل الذهب الأخضر لمزارعي الطيور والمواشي فعليًّا.
برين ترك مركب الصيد الغارق دخله ليزرع البحر نفسه بدل أن يصطاد منه فقط، ومحمد في دلتا النيل وجد في المياه العذبة والمالحة معا فرصة لم يرها أحد قبله. إليك أربع خطوات لتأسيس مشروع زراعي مائي حقيقي.
الخطوة الأولى تعتمد على إنشاء المزارع العمودية البحرية ثلاثية الأبعاد
المساحات البحرية الشاطئية كنز مهدور للزراعة المائية. للتغلُّب على مشكلة المساحة ومقاومة التيارات البحرية طبق برين سميث نظام الحبال العائمة العمودية. تتطلب هذه التقنية مد حبال أفقية تحت سطح الماء يتدلى منها حبال رأسية لزراعة طحالب الكيلب وأكياس المحار والروبيان. يشير المركز الدوليِّ لتطوير الزراعة المائية لأهمية هذه الأنظمة في توفير بيئة طبيعية غنية بالمواد المغذية دون الحاجة لأسمدة أو مياه عذبة لتتحول مساحتك البحرية إلى غابة منتجة للبروتين النباتيِّ والحيوانيِّ بقوة و.
الخطوة الثانية تكمن في استزراع نبات الأزولا بالمياه العذبة والبرك الراكدة
غلاء الأعلاف التقليدية يهدِّد مزارع الثروة الحيوانية والداجنية بالفناء. استعاضت مريم الجيزاوي عن الأعلاف المستوردة بإنشاء أحواض ترابية صغيرة مبطنة بالبلاستيك لزراعة نبات "الأزولا" السرخسيِّ السريع النموِّ. يوصي دليل الإرشاد التابع إلى وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية بتهيئة الأحواض وتوفير إضاءة مظللة جزئيًّا وتسميدها بنسب بسيطة من الفوسفات. يتضاعف حجم هذا النبات كل ثمان وأربعين ساعة ويحتوي على نسبة بروتين تفوق الثلاثين بالمئة ليمثِّل بديلًا مجانيًّا وفعالًا لتغذية الطيور والمواشي وتقليل تكاليف الأعلاف تمامًا.
الخطوة الثالثة تركِّز على الفلترة الحيوية ومعالجة المياه قبل الاستخدام
تلوُّث المياه العذبة بالميكروبات والمعادن الثقيلة يدمر المحاصيل الحساسة. ينصح دليل الإرشاد في المنظمة العربية للتنمية الزراعية بالاعتماد على الفلاتر النباتية الطبيعية. قم بتمرير المياه العذبة عبر قنوات تحتوي على نباتات القصب وورد النيل التي تمتصُّ السموم والنيتروجين الزائد بكفاءة بالغة. هذا النهج الصارم يضمن لك الحصول على مياه نقية صالحة لريِّ المحاصيل الخضرية وتجنب الإصابات البكتيرية للمستهلكين ومواشيك بالمقام الأول.
الخطوة الرابعة تتمثل في دمج الزراعة المائية مع تربية الأحياء المائية الأكوابونيك
هدر المياه في مشاريع الاستزراع السمكيِّ التقليدية يمثِّل خسارة مالية فادحة. للتغلب على هذه العقبة يوصي المعهد الدوليِّ لإدارة المياه بدمج أحواض الأسماك مع مجاري زراعة الخضراوات الورقية. فضلات الأسماك الغنية بالأمونيا تمرُّ عبر شبكة أنابيب لتتغذى عليها جذور النباتات وتعمل النباتات بدورها كفلتر طبيعيِّ يعيد المياه نقية إلى أحواض الأسماك. هذا النظام المغلق يوفِّر تسعين بالمئة من استهلاك المياه العذبة وينتج محصولًا مزدوجًا من البروتين والخضراوات بأقلِّ التكاليف حتمًا.
حول برين ومحمد الماء المالح والعذب إلى حقلين منتجين بدل أن يبقيا مصدر قلق فقط، وأثبتا أن الزراعة لا تحتاج تربة جافة دائما لتنجح. الساحل الذي أمامك قد يكون مزرعتك القادمة. هذه حكاية من ثروة التراب في رَاءٍ.