جفافٌ يبتلع الحياة في الصُّومال... حكاية حليمة وكيف نُعيد النَّبض للأرض العطشى
وقفت حليمةُ حسن في قلب أرضها المُتَشَقِّقَةِ في الصُّومال، تنظر بألمٍ يمزِّقُ الفؤاد إلى ماشيتها التي تسقط واحدةً تلو الأخرى من شِدَّةِ العطش. جَفَّتِ الآبار تَمَامًا، وتحوَّلَتِ التُّرْبَةُ الخصبة إلى غبارٍ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، وبكت الأمُّ التي أفنت عُمُرَهَا في تربية تلك الأغنام وهي ترى أطفالها ينامون جياعًا. هذا الجفاف القاتل في القرن الإِفْرِيقِيِّ كسر قلوب آلاف العائلات التي فقدت كُلَّ ما تملك، لتصبح المأساة واقعًا مُرًّا يهدِّدُ وجودهم فِعْلِيًّا. كان المشهد قاسيًا يبكي العيون، فالأرض التي كانت تفيض بالخيرات باتت قاحلةً، واليأس كاد يخنق الأرواح المُتْعَبَةَ.
هذه الكارثة البيئيَّةُ المُدَمِّرَةُ حَرَّكَتِ العالم، ودفعَتْ عُلَمَاءَ الزِّرَاعَةِ للتدخُّلِ السَّرِيعِ لزراعة الأمل من جديدٍ. استجابت مُنَظَّمَةُ الأَغْذِيَةِ وَالزِّرَاعَةِ الفاو لنداء الأرض، ووثَّقَتْ خُطَطًا استراتيجيَّةً لإنقاذ الموقف ودعم المُزَارِعِينَ، وانطلقت الحلول تتدفَّقُ بسلاسةٍ لتُعِيدَ الحياة إلى الجذور. بدأ العمل بهندسة السُّدُودِ الرَّمْلِيَّةِ العميقة، وهي تقنيةٌ ذكيَّةٌ تحتجز مياه الأمطار الموسميَّة تحت الأرض لحمايتها من التَّبَخُّرِ القاسي. ترافقت هذه الجهود مع توزيع بذورٍ مُحَسَّنَةٍ لمحاصيل تقاوم الجفاف، وهي خطوةٌ جَبَّارَةٌ وثَّقَهَا المعهد الدَّوْلِيُّ لبحوث المحاصيل لضمان صُمُودِ النَّبَاتِ في أقسى الظُّرُوفِ المُناخِيَّةِ وإنتاج غِلَالٍ وفيرةٍ.
لمعالجة أزمة المياه بِشَكْلٍ جَذْرِيٍّ، قَدَّمَت اللَّجْنَةُ الدَّوْلِيَّةُ للصَّلِيبِ الأحمر دعمًا حَيَوِيًّا عبر إنشاء نِقَاطٍ مائيَّةٍ طارئةٍ وتأهيل الآبار الجافَّةِ. وبموازاة ذلك، عَمِلَ برنامج الأغذية العالميُّ على توفير شبكات أمانٍ غذائيَّةٍ لحماية العائلات المُتَضَرِّرَةِ ريثما تتعافى محاصيلهم الزِّرَاعِيَّةُ. ولأنَّ التَّغَيُّرَ المُناخِيَّ يتطلَّبُ رُؤْيَةً مُسْتَقْبَلِيَّةً، ساهَمَ برنامج الأمم المُتَّحِدَةِ للبيئة في تدريب المجتمع المَحَلِّيِّ على تقنيات حصاد المياه الرَّشِيدَةِ، لتكوين حائط صَدٍّ مَنِيعٍ يحمي القرى من مَوْجَاتِ الجفاف القادمة حَتْمًا.
عادت الأرض تتنفَّسُ بعد طول غيابٍ. نَبَتَتِ البذور الخضراء وشَقَّتْ طريقها نحو الشَّمْسِ، وتحوَّلَتِ الدُّمُوعُ إلى ضحكاتٍ تملأ الوجوه وتسرُّ النَّاظِرِينَ. ابتسمت حليمة وهي تحصد غَلَّتَهَا الأولى بيديها، لِتُثْبِتَ هذه التَّجَارِبُ أنَّ التَّكَاتُفَ العِلْمِيَّ قادرٌ على قهر المستحيل وإعادة الرُّوحِ لكوكبنا. هي حكايةٌ من منصَّتكم البيئيَّة، نرويها لِنُؤَكِّدَ أنَّ كُلَّ شجرةٍ تذبل يمكن أن تورق من جديدٍ، متى ما سقيناها بالعلم والإرادة.